النويري
73
نهاية الأرب في فنون الأدب
إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين جميعا راموا الجمل ، وقالوا : لا يزول القوم أو يصرع الجمل . وصارت مجنّبتا علىّ إلى القلب ، وفعل ذلك أهل البصرة ، وكره القوم بعضهم بعضا . وأخذ عميرة بن يثربىّ رأس الجمل ، وكان قاضى البصرة ، فقال علىّ من يحمل على الجمل ؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملي المرادي ، فاعترضه ابن يثربىّ ، فاختلفا ضربتين ، فقتله ابن يثربىّ ، ثم حمل علباء بن الهيثم ، فقتله ابن يثربىّ ، وقتل سيحان بن صوحان ، وارتثّ صعصعه [ 1 ] ، فنادى عمار بن ياسر ابن يثربىّ : لقد عذت بحريز [ 2 ] وما إليك من سبيل فإن كنت صادقا فأخرج من هذه الكتيبة إلىّ . فترك الزّمام في يد رجل من بنى عدىّ وخرج ، حتّى إذا كان بين الصفّين تقدّم عمّار ، وهو ابن تسعين سنة ، وقيل أكثر من ذلك ، وعليه فرو قد شدّ وسطه بحبل من ليف ، وهو أضعف من بارزه ، فاسترجع [ 3 ] الناس وقالوا : هذا لاحق بأصحابه ! فضربه ابن يثربىّ ، فاتّقاه عمّار بدرقته [ 4 ] ، فنشب سيفه فيها ، فعالجه فلم يخرج ، وأسفّ [ 5 ] عمّار لرجليه فضربه فقطعهما ، فوقع على استه وأخذ أسيرا ، فأتى به إلى علىّ ، فقال : استبقنى ! فقال : أبعد ثلاثة تقتلهم ؟ وأمر به فقتل ، وقيل : إنّ المقتول عمرو بن يثربىّ [ 6 ]
--> [ 1 ] انظر ما سبق قريبا . [ 2 ] عذت : التجأت . حريز : حصين . [ 3 ] استرجع الناس : قالوا : إنا للَّه وإنا إليه راجعون . [ 4 ] الدرقة : قطعة من جلد يحملها المحارب للوقاية من السيف ، كالترس . [ 5 ] أسف : دنا . [ 6 ] انظر ترجمة عمرو بن يثربى في الإصابة ج 3 ص 119 .